وهبة الزحيلي

208

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

البلاغة : أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً تفنن في التعبير ، فلم يقل : إلا خمسين سنة ، تحاشيا للتكرار المنافي للبلاغة ، إلا إذا كان لغرض كالتفخيم أو التهويل ، مثل : الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [ القارعة 101 / 1 - 2 ] . المفردات اللغوية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً أي مكث في قومه يدعوهم إلى توحيد اللّه تسع مائة وخمسين سنة ، فكذبوه . روي أنه بعث على رأس أربعين ، ودعا قومه تسع مائة وخمسين ، وعاش بعد الطوفان ستين . قال البيضاوي : ولعل اختيار هذه العبارة للدلالة على كمال العدد ، فإن تسع مائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه . فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ طوفان الماء ، والطوفان في الأصل : اسم لما طاف بكثرة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها . وَهُمْ ظالِمُونَ بالكفر . فَأَنْجَيْناهُ أي نوحا . وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي الذين أركبهم معه من أولاده وأتباعه المؤمنين ، وكانوا ثمانين ، أو ثمانية وسبعين ، نصفهم ذكور ونصفهم إناث . آيَةً عبرة . لِلْعالَمِينَ لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسله ، يتعظون ويستدلون بها . المناسبة : بعد بيان التكليف وأقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم ، ووعيد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم ، ذكر اللّه تعالى قصة أطول الأنبياء عمرا نوح عليه السلام الذي دعا قومه إلى توحيد اللّه ألف سنة إلا خمسين عاما ، فلم يؤمن معه إلا قليل . ثم أتبع ذلك بذكر قصص أنبياء آخرين : إبراهيم ، ولوط وهود وشعيب وصالح ، لبيان عاقبة اللّه في المكذبين من المكلفين ، وتسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وتثبيته على ما يكابده من أذى الكفرة ، وعبرة لمن يعتبر ، وتأكيدا لما في بداية السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة .